ذ.سعيد حفيظي باحث في قانون الاعلام والاتصال بجامعة الحسن الأول بسطات
لا يحتاج المرء لذكاء خارق، ولا لعين سوسيولوجي خبير، ليدرك أن ما يحدث اليوم في ردهات تطبيق تيك توك المظلمة، وتحت أضواء البث المباشر الساطعة، يتجاوز بكثير منطق الترفيه الساذج أو تزجية الوقت الضائع. نحن أمام سوق عكاظ رقمي بنسخة مشوهة؛ سوق بلا شعر ولا أدب، تتبادل فيه الأسود والصقور الافتراضية الأدوار، لا لتعبر عن إعجاب بمحتوى وهو في الغالب منعدم، بل لتمارس دور المحلل الشرعي لأموال قذرة تبحث عن صك غفران إلكتروني يُدخلها جنات المصارف الرسمية.
إن ظاهرة غسل الأموال عبر هذا التطبيق الصيني المنشأ، ليست مجرد خرق تقني عابر أو هفوة في خوارزمية ذكية، بل هي “بنية تحتية” جديدة للجريمة المنظمة، استطاعت أن تفهم روح العصر وتطوعها. فالمجرم المودرن لم يعد بحاجة لحقائب جلدية مهترئة، ولا لشركات وهمية في جزر الكاريبي، بل يحتاج فقط إلى مؤثر مستعد لبيع شاشته لمن يدفع أكثر، وإلى جيش من البوتات والحسابات الوهمية التي تضخ أموال البطاقات المسروقة وعائدات الجريمة السيبرانية في شكل هدايا براقة تزين الشاشة وتصمّ الآذان بصوتها الزائف.
المفارقة الساخرة هنا، هي أن المنصة التي صدعت رؤوسنا بشعارات الأمان والمجتمع الرقمي السليم، تجلس اليوم في مقعد المتفرج المستفيد. تقتطع تيك توك عمولتها التي تصل أحياناً إلى نصف القيمة، وهي تدرك يقيناً أن خلف كل أسد يزأر في شاشة هاتف، هناك مئات الآلاف من الدولارات التي تُغسل بعناية بعيداً عن أعين الرقابة المالية الكلاسيكية. إنه تحالف غير مقدس بين التفاهة والفساد؛ حيث يربح التطبيق حصته، ويربح المبيض شرعيته، ويخسر المجتمع أمنه المالي وقيمه الأخلاقية، بينما يكتفي “صانع المحتوى بدور الكومبارس الذي يرقص على نغمات آلات العدّ الرقمية.
إننا أمام عملية تطهير كبرى للسيولة المشبوهة، تتم تحت ستار الدعم والتكبيس. وما يثير الفزع حقاً، ليس هو دهاء المجرمين، بل هو الكساح الذي أصاب الأنظمة الرقابية الدولية وهي تحاول مجاراة هذه السرعة الجنونية. فبينما لا تزال القوانين والتشريعات تبحث عن تعريف قانوني للعملة الافتراضية، تكون المليارات قد عبرت القارات في ثوانٍ معدودة، متنكرة في زي ورود بلاستيكية أو قصور ديجيتال، لتستقر في النهاية كأرباح نظيفة في حسابات بنكية قانونية تماماً.
لقد تحول تيك توك من منصة لتفريغ الطاقات الإبداعية للشباب، إلى مغسلة عظيمة تبتلع القذارة من جهة، لتنفثها من الجهة الأخرى نقودا مغسولة ومرتبة. إن هذا الاقتصاد الظلي، الذي ينمو تحت أعين الدولة والمجتمع، يهدد بقلب الموازين؛ إذ يصبح بطل المجتمع هو “صانع التفاهة” الذي يدر الملايين، لا لذكائه، بل لأنه واجهة مالية لعصابات خلف الستار.
نافلة القول ، أن التكبيس الذي يملأ الفضاء الرقمي ضجيجاً، ليس سوى صدى لعمليات سطو كبرى تجري في الغرف المظلمة. وإذا لم يتحرك الضمير العالمي قبل القوانين لضبط هذا الانفلات، فإننا سنصحو قريبا على عالم تحكمه خوارزمية الفساد، حيث تصبح الشاشة الصغيرة هي المقصلة التي تُعدم عليها شفافية الاقتصاد العالمي.
